الشيخ حسن أيوب

196

الحديث في علوم القرآن والحديث

مثاله : حديث محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم قال : « لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة » فمحمد بن عمرو بن علقمة من المشهورين بالصدق والصيانة ، لكنه لم يكن من أهل الإتقان حتى ضعفه بعضهم من جهة سوء حفظه ووثقه بعضهم لصدقه وجلالته ، فحديثه من هذه الجهة حسن ، فلما انضم إلى ذلك كونه روي من أوجه أخر زال بذلك ما كنا نخشاه عليه من جهة سوء حفظه وانجبر به ذلك النقص اليسير ، فصح هذا الإسناد والتحق بدرجة الصحيح ، واللّه أعلم . اه ابن الصلاح . متى يكون الضعيف قويّا لعل الباحث الفهم يقول : إنا نجد أحاديث محكوما بضعفها مع كونها قد رويت بأسانيد كثيرة من وجوه عديدة مثل حديث : « الأذنان من الرأس » ونحوه فهلا جعلتم ذلك وأمثاله من نوع الحسن ؛ لأن بعض ذلك عضد بعضا كما قلتم في نوع الحسن على ما سبق آنفا ؟ . وجواب ذلك : أنه ليس كل ضعف في الحديث يزول بمجيئه من وجوه ، بل ذلك يتفاوت ، فمنه ضعف يزيله ذلك بأن يكون ضعفه ناشئا من ضعف حفظ راويه مع كونه من أهل الصدق والديانة . فإذا رأينا ما رواه قد جاء من وجه آخر ؛ عرفنا أنه مما قد حفظه ولم يختلّ فيه ضبطه له . وكذلك إذا كان ضعفه من حيث الإرسال زال بنحو ذلك ، كما في المرسل الذي يرسله إمام حافظ ؛ إذ فيه ضعف قليل يزول بروايته من وجه آخر ، ومن ذلك : ضعف لا يزول بنحو ذلك لقوة الضعف وتقاعد هذا الجابر عن جبره ومقاومته ، وذلك كالضعف الذي ينشأ من كون الراوي متهما بالكذب ، أو كون الحديث شاذّا ، وهذه جملة تفاصيلها تدرك بالمباشرة والبحث ، فاعلم ذلك فإنه من النفائس العزيزة ، واللّه أعلم . أول من جمع صحاح الحديث أول من اعتنى بجمع الصحيح : أبو عبد اللّه محمد بن إسماعيل البخاري ، وتلاه صاحبه وتلميذه أبو الحسين مسلم بن الحجاج النيسابوري . فهما أصح كتب الحديث ، والبخاري أرجح ؛ لأنه اشترط في إخراجه الحديث في كتابه هذا : أن يكون الراوي قد عاصر شيخه وثبت عنده سماعه منه ، ولم يشترط مسلم الثاني ، بل اكتفى بمجرد المعاصرة . ومن هنا ينفصل لك النزاع في ترجيح صحيح البخاري على صحيح مسلم ، كما هو قول الجمهور ، خلافا لأبي علي النيسابوري شيخ الحاكم ، وطائفة من علماء المغرب .